همس الحب
04-10-2007, 08:02 PM
يرى أن صناعة الأغنية أصبحت تسمى (فن السرقة) .. الشاعر صفوح شغالة: أغنيتنا السورية تتعثر نحو الهاوية.. و(العراد) حلم مطربينا
دمشق
صحيفة تشرين
ثقافة و فنون
الأحد 1 نيسان 2007
حوار: هدى قدور
يستحق الشاعر صفوح شغالة ابن حلب *موطن أبي فراس والمتنبي، وعاصمة غناء الطرب الأصيل* لقب كاتب أغنية النجوم.
وبمعنى أدق صاحب الكلمة التي تؤهلهم لأن يكونوا نجوماً، ولاسيما أن اسمه يكاد لا يخلو من أجندة كل واحد منهم، وغالباً ما يقف خلف كلمات أشهر أغانيهم، وفي ذلك السر الكامن خلف رغبة من يتعامل معه أولاً، بأن يتعامل معه دائماً.
كتب صفوح شغالة* شاعر حلب* لأكثر من اثني وخمسين نجماً من نجوم الغناء، وفي مقدمتهم جورج وسوف، أليسا، ديانا حداد، وائل كفوري، نوال الزغبي، عاصي الحلاني، فلة الجزائرية.. وآخرون.. وفي كلمته كان السحر، فهل تصنع الكلمة نجماً، أسأله، وهل مازالت الأغنية اليوم هي الكلمة؟
يقول الأستاذ شغالة:
ہہ سابقاً كانت أم كلثوم (على سبيل المثال) تعيد المدى (بداية الأغنية) مرات عديدة لتوصل الكلمة، وكان المدى يأخذ من الوقت ثلث ساعة، الآن أصبحت الأغنية بكاملها نحو ثلاث دقائق أو أكثر بقليل، فلم يعد المطرب يوصل الكلمة، وإنما صار يوصل الإيقاع، أو يوصل فكرة جديدة بالتوزيع من جديد..لقد أصبح مطرب اليوم يخدع الجمهور، وسابقاً لم يكن هناك خداع.
ہ ألا يعد ذلك ظلماً لمؤلف الكلمات..؟
ہہ طبعاً، إذ لم يعد موجوداً الآن على الساحة شعراء للأغنية، الآن يوجد كتّاب للأغنية، أما الشعر فقد تراجع ولم يعد هناك صور شعرية، كتلك التي كنا نسمعها أو نراها من خلال الأغاني القديمة.
الشاعر عبارة عن رسام يرسم بالكلمات، وحالياً لم يعد هناك من يهتم بالصور الجمالية، ولاسيما أن معظم الكلمات صارت تكتب على ألحان، والألحان معظمها مسروقة، فهي تأتي إلى السوق كموضات، مثلاً تأتي موضة التركي ثم اليوناني.... وهكذا.. وهناك سرقات من موسيقا عالمية، حتى أصبحت صناعة الأغنية تسمى (فن السرقة).
لقد جلست ذات مرة مع ملحن كبير في مصر يدعى فاروق سلامة وأخبرني أن عبد الوهاب في آخر أيامه لم يعد يهتم بالفواصل الموسيقية بالقطعة، فكان يعتمد على آخرين يعملون له اللوازم الموسيقية مثل أغنية (فاتت جنبنا).. فالقطع الطويلة تحتاج إلى مقدمات موسيقية وفواصل داخل الأغنية ولذلك كان يستعين بهم، ومن الناس الذين استعان بهم هو فاروق سلامة، وكان يعرف تماماً القطع المسروقة، سواء من اللحن أو من الموسيقا، وسألته أنا حينها هل أنت تسرق؟
فأجابني: (لا. في الموسيقا لو عايز تسرق لازم تنكر يلي بتسرقوا، بحيث لو سمعها صاحبها الأصلي ما يعرفهاش)..
لقد كان ذلك درساً بليغاً في حياتي، لذلك تجدينني لا أكتب الأغاني فقط وإنما أشترك في اللحن أيضاً وفي فكرة الأغنية...على سبيل المثال هناك أغنية لديانا حداد (أمانيه) وهي من الفلكلور الحلبي، أخذت منها الفكرة وغيرت فيها، أدخلت فيها من الفلكور الحلبي.
ہ ألهذا، أنت شاعر حلب..؟
ہہ أنا الشاعر الوحيد الذي وصف «حلب» جيداً، بالإضافة إلى أن معظم مطربي حلب إذا لم يكن الكل ،باستثناء الأستاذ صباح فخري، غنوا لي ومنهم (شادي جميل، نور مهنا، نهاد نجار......) فضلاً عن المطربين الشعبيين، ولذلك أطلقوا عليّ شاعر حلب.
ہ حلب مدينتك الأصل. ماالذي منحتك إياه؟ أية مسؤولية يحملك هذا الانتماء فيما تنتجه.. ولاسيما أن اثنين من مطربيها(نهاد نجار، شادي جميل) كانا محطتك الأولى التي انطلقت منها نحو العالم العربي؟
ہہ شادي جميل، ونهاد نجار انطلقت بهم في محيط سورية فقط. أما انطلاقتي نحو العالم العربي فكانت من خلال جورج وسوف ونوال الزغبي، ديانا حداد، عاصي حلاني، نجوى كرم، وائل كفوري، فلة الجزائرية ( أهل المغنى)، أليسا.. وأدّعي أني نشرت اللهجة السورية على لسان المطربين اللبنانيين.. وكل من غنى لي كنت أتعمد أن أضع في أغانيه كلمات حلبية.
ہ بدأت بأغان حلبية، لكنك انتهيت إلى الكتابة باللهجة المصرية، لماذا المصرية، هل هو انتشارها الواسع..؟
ہہ عشت في مصر مدة اثني عشر عاماً، وأجيد اللهجة المصرية وأجيد اللهجة الشرقاوية الحلبية، أي لهجة الموال الحلبي.. وهذه مدرسة بحد ذاتها.. لدينا شعراء موال كبار، والموال هو خليط بين الفصحى والبدوية، ولدينا شعراء موال قالوا كلاماً من مستوى المتنبي ولكن بالعامية.. بالنسبة لي تتلمذت على يدي شاعر من شعراء الموال يدعى أبو قدور خياط وله فضل كبير عليّ، لقد علمني كيف أكتب الموال وكيف أستفيد من الموال أو كيف أترجمه لأن فيه كلمات صعبة، الموال يعتمد على سبع خانات فيها قواف مختلفة.
وأنا من اخترع اللهجة البيضاء في الأغنية وسببها اللهجة الشرقاوية لأنني أكتب الأغنية بلهجة الموال.. وحتى اللهجة البدوية لم تكن بدوية بحتة، بل غيّرت فيها، وعلى سبيل المثال (ما اندم عليك. الندم غالي، خاطر عينيك ضيعت أنا حالي...) ليست بدوية لكن ممكن أن تصنّف تحت اللهجة البيضاء.
بالعموم أنا أجيد أربع لهجات في الأغنية، فكتبت: «حلبي صرف ومصري وبدوي وشامي ولبناني» وفي ذلك صعوبة ولكنني أجدت ذلك.
ہ كم بلغ رصيدك اليوم من الأغاني؟.. ما أهم الأسماء التي تعتز بتعاونك معها؟
ہہ كتبت حوالي 1200 أغنية، وكل من تعاونت معهم هم مطربون أعتز بهم، منهم جورج وسوف، ديانا حداد، نوال الزغبي، إليسا، وفلة الجزائرية، عاصي الحلاني، شادي جميل، نهاد النجار وسوزان تميم، ورويدا عطية...
ہ تحدثت عن موت الكلمة،في الاغنية لصالح الإيقاع.. متى حدث ذلك برأيك..؟
ہہ في الوقت الذي كتبت فيه في فترة التسعينيات لغاية 2004 كان عصراً فيه عطاء أكثر من الآن. أما الآن. فلم يعد يوجد في عصرنا هذه الإبداعات، لقد أصبح الإبداع في الموسيقا والتوزيع، وبالكاد تنزل في العام الواحد أغنيتان جديدتان أو ثلاث فقط، طبعاً الأمر لا يخلو فهناك من يهتم ويوجد كلمات أغان جميلة (متعوب عليها) مثل كلمات أغنية (الأماكن) للفنان محمد عبده وأغاني المطرب الجسمي ، أما ما تبقى فلا يرتقي لمستوى العصر الذهبي للأغنية (كشعر)، ولكن بالنسبة للموسيقا فهي متطورة جداً.
ہ اسمح لي هنا أن أسألك، غنت هيفا وهبة من كلماتك رغم ضعف صوتها، فإذا ما أضفنا طريقة تقديم أغانيها، أليس في ذلك ظلم للكلمة التي تدافع عنها ؟
ہہ الإغراء الذي اعتمدته هيفاء في الكليبات لم أكن على علم فيه، أول ما أخذت الأغنية (قالولي عنو كلام) لم يكن معروفاً ما هي خطتها في الظهور الإعلامي، وبكل الأحوال، والحمد لله، الأغنية التي أعطيتها إياها لم تصور، ودعيني أؤكد لك أنني أرفض تماماً أن أشترك مرة أخرى في مثل هذه المهزلة، فهي تتبع أسلوب الإغراء في تصوير الفيديو كليب لأغانيها، وهذا لا يناسبني ولذلك لم أعد أتعامل معها بعد ذلك.
ہ قلت أن كتّاب الأغنية هم من يصنعون الذوق العام في الأغنية كيف يتم ذلك؟
ہہ هذا كلام صحيح، فأنا كتبت أغنية (أهل المغنى) وغنتها المطربة فلة الجزائرية وتقول كلماتها: (مو كل شي يلمع ذهباً أبداً.. ولا كل شي غنى، غنى طرباً، المغنى يا أهل المغنى صار عجبا،ً في مغنى مالو معنى ولا أدب، المغنى فنهُ أصيل..)
صناعة الأغنية ليست صناعة سهلة أبداً فأنت عندما تقدم أغنية يفترض أن تكون مميزة عن البقية وإلا سوف تكون مقلداً، وعندما تأتي فنانة مثل نانسي أو هيفا..فهؤلاء لن ينجحن معي، هن لديهن إمكانات أخرى غير الطرب، ووراءهم جيش يعملون لأجل إبرازهم.. وعندما يريد كاتب الأغنية أن يلبس لوناً لمطرب هناك مئات من المطربين وزحمة مطربين، والمطلوب منك أن تخلق لكل منهم لوناً خاصاً يليق بهم، ووسط هذا الحشد يجب أن تخلق سكة جديدة لتنافس الجميع وتشد الجمهور إليهم.
أنا اليوم صفوح شغالة إذا أردت أن أكتب وجدانياً ما أشعر به كشاعر لن أجد مطرباً أو مطربة يؤدي لي هذه الأغنية، لأن المطلوب أن أعطي أغنية أولاً مدتها 3 * 4 دقائق وثانياً أن تكون فكرتها مثل هذه الأفكار التي تطرح الآن في الأسواق، وفي حال طرحت فكرة أقوى يقولون :هذا الكلام صعب ولا يغنى، ولذلك نرى قوافي هذه الأغاني هزيلة وعالية وبالية ومعروف عني أنّ قوافيَّ مختلفة وقد أتيت بقواف جديدة مثل أغنية (انسى غرامك) لشادي جميل.
الآن نرى أن الموجودين على الساحة كلهم مبدعون أو لا يوجد أبداً مبدعون سابقاً كان الموجودون كلهم مبدعين مثل عبد الوهاب، عبد الحليم، فريد الأطرش، ومن الملحنين رياض سنباطي، بليغ حمدي، محمد الموجي، كلهم كانوا مبدعين، وهذا ما يشهد عليه أغانيهم، والآن نستطيع أن نقول قد يكون الكل مبدعين أو لا يوجد أبداً مبدعون وفهمكم كفاية.
ہ هل تميل لفكرة الشراكات الفنية، كيف تفهم تأثيرها فيما يقدم للمستمعين؟
ہہ الشراكة الفنية تكون بين شاعر وملحن، وكنت أنا والملحن جورج مار ديروسيان ثنائياً مميزاً عملنا معاً وكنا أخطر ثنائي موجود على الساحة الغنائية.
ولكن الآن أصبحت الشراكة مقسومة بين ثلاثة بين الموزع الموسيقي والملحن والشاعر، وأصبح الآن الموزع الموسيقي أهم من الملحن، ما أ قصده أن الملحن قد تراجع وتقدم الموزع اليوم بسبب التكنولوجيا، اليوم صار التوزيع على الكمبيوتر، والموزع الشاطر من يجيد التعامل مع الكمبيوتر ويتابع التطورات التكنولوجية، وإذا لم يكن يعرف هذه التقنيات يوضع على الرف.
والملحن أيضاً الذي لا يتعامل مع الكمبيوتر أصبح ملحناً قديماً لأن الأصوات لم تعد تأخذ من العود والأورغ، الآن تؤخذ من الـcd التي يوجد فيها مئات الأصوات من الموسيقا.
أصبحنا من الجيل القديم وأصبح هناك جيل جديد وأصبح التوزيع الموسيقي متقدماً جداً على حساب اللحن والكلمة.
ہ ما هو برأيك أسباب تخلف الأغنية السورية هل هو سوء التوزيع أم عدم وجود نص أو عدم وجود صوت، هل هي آلية العمل....؟ ما رأيك؟ وأين أنت في سورية؟
ہہ في سورية لم يرني أ حد للأسف، وأنا أيضاً لم أرَ أحداً، في سورية لدينا مرض كبير اسمه الغرور.. حلم مطربينا أن يبقوا في (العراد) هذا هو منتهى أحلامهم وأملهم. لا يوجد لدينا استوديوهات في سورية، وإن وجدت استوديوهات فهي لا تستطيع أن تنافس استوديوهات الخارج من ناحية المعدات ومن ناحية مهندسي الصوت. لقد تفوقت علينا مصر ولبنان لما لديهم من خبرات منذ عام 1920 ، فكانوا من أول ما ابتدع الاسطوانات ونحن لم نكن نعرف بذلك. الاستوديو الوحيد الذي كان لدينا هو استوديو الإذاعة، وهو قطاع عام. أما في مصر فوجود السينما ووضع الموسيقا التصويرية للأفلام اضطرهم لأن يؤسسوا استوديوهات وتابعوا التطور الذي يحدث في العالم من حيث المعدات وارسلوا مهندسي صوت للخارج من أجل أن يدرسوا ويطوروا أنفسهم.. والمهندسون الذين أتوا خرّجوا من تحت أيديهم آلاف المهندسين، أما في سورية ليس لدينا عراقة في الاستوديوهات، والموجود لدينا عبارة عن محاولات فردية لا تفي بالغرض، وعندما كنت في مصر كنت أرى العديد من المطربين سواء من الخليج أو الكويت أو لبنان، ينزلون كي يسجلوا في مصر وللأسف لم أرَ ذلك في سورية.
بالرغم من أن سورية غنية بالأصوات الجميلة و الأصوات السورية من أروع الأصوات الموجودة في العالم العربي، وتراثها الغنائي غني ومتنوع إذ إن لكل قرية و ناحية تراثها الخاص بها، ولكنني لم أجد في سورية من يهتم بجميع هذا التراث والمحافظة عليه، وأود أن ألفت نظركم إلى أن الملحن بليغ حمدي عندما لحّن أغنية (قدك المياس) أخذها من التراث الحلبي، ولكنه لم يقرب على التراث، هو لعب لعبته جيداً وقد ألهمه ذلك التراث ليعمل هذه الأغنية الجميلة للنجم عبد الحليم حافظ، أغنيتنا السورية تتعثر نحو الهاوية وإذا استمر الوضع هكذا لن يبقى لدينا أغنية سورية، وأنا أشكر الفنان علي الديك لأنه ذكر الوطن العربي من خلال أغنيته (علوش) بأن هناك وطناً اسمه سورية وفيه فنان سوري يغني أغنية سورية، وأنا صدقاً كنت في لبنان عندما سمعت هذه الأغنية وصار كل الفنانين يطلبون أغنية على نمط أغنية علي الديك.
دمشق
صحيفة تشرين
ثقافة و فنون
الأحد 1 نيسان 2007
حوار: هدى قدور
يستحق الشاعر صفوح شغالة ابن حلب *موطن أبي فراس والمتنبي، وعاصمة غناء الطرب الأصيل* لقب كاتب أغنية النجوم.
وبمعنى أدق صاحب الكلمة التي تؤهلهم لأن يكونوا نجوماً، ولاسيما أن اسمه يكاد لا يخلو من أجندة كل واحد منهم، وغالباً ما يقف خلف كلمات أشهر أغانيهم، وفي ذلك السر الكامن خلف رغبة من يتعامل معه أولاً، بأن يتعامل معه دائماً.
كتب صفوح شغالة* شاعر حلب* لأكثر من اثني وخمسين نجماً من نجوم الغناء، وفي مقدمتهم جورج وسوف، أليسا، ديانا حداد، وائل كفوري، نوال الزغبي، عاصي الحلاني، فلة الجزائرية.. وآخرون.. وفي كلمته كان السحر، فهل تصنع الكلمة نجماً، أسأله، وهل مازالت الأغنية اليوم هي الكلمة؟
يقول الأستاذ شغالة:
ہہ سابقاً كانت أم كلثوم (على سبيل المثال) تعيد المدى (بداية الأغنية) مرات عديدة لتوصل الكلمة، وكان المدى يأخذ من الوقت ثلث ساعة، الآن أصبحت الأغنية بكاملها نحو ثلاث دقائق أو أكثر بقليل، فلم يعد المطرب يوصل الكلمة، وإنما صار يوصل الإيقاع، أو يوصل فكرة جديدة بالتوزيع من جديد..لقد أصبح مطرب اليوم يخدع الجمهور، وسابقاً لم يكن هناك خداع.
ہ ألا يعد ذلك ظلماً لمؤلف الكلمات..؟
ہہ طبعاً، إذ لم يعد موجوداً الآن على الساحة شعراء للأغنية، الآن يوجد كتّاب للأغنية، أما الشعر فقد تراجع ولم يعد هناك صور شعرية، كتلك التي كنا نسمعها أو نراها من خلال الأغاني القديمة.
الشاعر عبارة عن رسام يرسم بالكلمات، وحالياً لم يعد هناك من يهتم بالصور الجمالية، ولاسيما أن معظم الكلمات صارت تكتب على ألحان، والألحان معظمها مسروقة، فهي تأتي إلى السوق كموضات، مثلاً تأتي موضة التركي ثم اليوناني.... وهكذا.. وهناك سرقات من موسيقا عالمية، حتى أصبحت صناعة الأغنية تسمى (فن السرقة).
لقد جلست ذات مرة مع ملحن كبير في مصر يدعى فاروق سلامة وأخبرني أن عبد الوهاب في آخر أيامه لم يعد يهتم بالفواصل الموسيقية بالقطعة، فكان يعتمد على آخرين يعملون له اللوازم الموسيقية مثل أغنية (فاتت جنبنا).. فالقطع الطويلة تحتاج إلى مقدمات موسيقية وفواصل داخل الأغنية ولذلك كان يستعين بهم، ومن الناس الذين استعان بهم هو فاروق سلامة، وكان يعرف تماماً القطع المسروقة، سواء من اللحن أو من الموسيقا، وسألته أنا حينها هل أنت تسرق؟
فأجابني: (لا. في الموسيقا لو عايز تسرق لازم تنكر يلي بتسرقوا، بحيث لو سمعها صاحبها الأصلي ما يعرفهاش)..
لقد كان ذلك درساً بليغاً في حياتي، لذلك تجدينني لا أكتب الأغاني فقط وإنما أشترك في اللحن أيضاً وفي فكرة الأغنية...على سبيل المثال هناك أغنية لديانا حداد (أمانيه) وهي من الفلكلور الحلبي، أخذت منها الفكرة وغيرت فيها، أدخلت فيها من الفلكور الحلبي.
ہ ألهذا، أنت شاعر حلب..؟
ہہ أنا الشاعر الوحيد الذي وصف «حلب» جيداً، بالإضافة إلى أن معظم مطربي حلب إذا لم يكن الكل ،باستثناء الأستاذ صباح فخري، غنوا لي ومنهم (شادي جميل، نور مهنا، نهاد نجار......) فضلاً عن المطربين الشعبيين، ولذلك أطلقوا عليّ شاعر حلب.
ہ حلب مدينتك الأصل. ماالذي منحتك إياه؟ أية مسؤولية يحملك هذا الانتماء فيما تنتجه.. ولاسيما أن اثنين من مطربيها(نهاد نجار، شادي جميل) كانا محطتك الأولى التي انطلقت منها نحو العالم العربي؟
ہہ شادي جميل، ونهاد نجار انطلقت بهم في محيط سورية فقط. أما انطلاقتي نحو العالم العربي فكانت من خلال جورج وسوف ونوال الزغبي، ديانا حداد، عاصي حلاني، نجوى كرم، وائل كفوري، فلة الجزائرية ( أهل المغنى)، أليسا.. وأدّعي أني نشرت اللهجة السورية على لسان المطربين اللبنانيين.. وكل من غنى لي كنت أتعمد أن أضع في أغانيه كلمات حلبية.
ہ بدأت بأغان حلبية، لكنك انتهيت إلى الكتابة باللهجة المصرية، لماذا المصرية، هل هو انتشارها الواسع..؟
ہہ عشت في مصر مدة اثني عشر عاماً، وأجيد اللهجة المصرية وأجيد اللهجة الشرقاوية الحلبية، أي لهجة الموال الحلبي.. وهذه مدرسة بحد ذاتها.. لدينا شعراء موال كبار، والموال هو خليط بين الفصحى والبدوية، ولدينا شعراء موال قالوا كلاماً من مستوى المتنبي ولكن بالعامية.. بالنسبة لي تتلمذت على يدي شاعر من شعراء الموال يدعى أبو قدور خياط وله فضل كبير عليّ، لقد علمني كيف أكتب الموال وكيف أستفيد من الموال أو كيف أترجمه لأن فيه كلمات صعبة، الموال يعتمد على سبع خانات فيها قواف مختلفة.
وأنا من اخترع اللهجة البيضاء في الأغنية وسببها اللهجة الشرقاوية لأنني أكتب الأغنية بلهجة الموال.. وحتى اللهجة البدوية لم تكن بدوية بحتة، بل غيّرت فيها، وعلى سبيل المثال (ما اندم عليك. الندم غالي، خاطر عينيك ضيعت أنا حالي...) ليست بدوية لكن ممكن أن تصنّف تحت اللهجة البيضاء.
بالعموم أنا أجيد أربع لهجات في الأغنية، فكتبت: «حلبي صرف ومصري وبدوي وشامي ولبناني» وفي ذلك صعوبة ولكنني أجدت ذلك.
ہ كم بلغ رصيدك اليوم من الأغاني؟.. ما أهم الأسماء التي تعتز بتعاونك معها؟
ہہ كتبت حوالي 1200 أغنية، وكل من تعاونت معهم هم مطربون أعتز بهم، منهم جورج وسوف، ديانا حداد، نوال الزغبي، إليسا، وفلة الجزائرية، عاصي الحلاني، شادي جميل، نهاد النجار وسوزان تميم، ورويدا عطية...
ہ تحدثت عن موت الكلمة،في الاغنية لصالح الإيقاع.. متى حدث ذلك برأيك..؟
ہہ في الوقت الذي كتبت فيه في فترة التسعينيات لغاية 2004 كان عصراً فيه عطاء أكثر من الآن. أما الآن. فلم يعد يوجد في عصرنا هذه الإبداعات، لقد أصبح الإبداع في الموسيقا والتوزيع، وبالكاد تنزل في العام الواحد أغنيتان جديدتان أو ثلاث فقط، طبعاً الأمر لا يخلو فهناك من يهتم ويوجد كلمات أغان جميلة (متعوب عليها) مثل كلمات أغنية (الأماكن) للفنان محمد عبده وأغاني المطرب الجسمي ، أما ما تبقى فلا يرتقي لمستوى العصر الذهبي للأغنية (كشعر)، ولكن بالنسبة للموسيقا فهي متطورة جداً.
ہ اسمح لي هنا أن أسألك، غنت هيفا وهبة من كلماتك رغم ضعف صوتها، فإذا ما أضفنا طريقة تقديم أغانيها، أليس في ذلك ظلم للكلمة التي تدافع عنها ؟
ہہ الإغراء الذي اعتمدته هيفاء في الكليبات لم أكن على علم فيه، أول ما أخذت الأغنية (قالولي عنو كلام) لم يكن معروفاً ما هي خطتها في الظهور الإعلامي، وبكل الأحوال، والحمد لله، الأغنية التي أعطيتها إياها لم تصور، ودعيني أؤكد لك أنني أرفض تماماً أن أشترك مرة أخرى في مثل هذه المهزلة، فهي تتبع أسلوب الإغراء في تصوير الفيديو كليب لأغانيها، وهذا لا يناسبني ولذلك لم أعد أتعامل معها بعد ذلك.
ہ قلت أن كتّاب الأغنية هم من يصنعون الذوق العام في الأغنية كيف يتم ذلك؟
ہہ هذا كلام صحيح، فأنا كتبت أغنية (أهل المغنى) وغنتها المطربة فلة الجزائرية وتقول كلماتها: (مو كل شي يلمع ذهباً أبداً.. ولا كل شي غنى، غنى طرباً، المغنى يا أهل المغنى صار عجبا،ً في مغنى مالو معنى ولا أدب، المغنى فنهُ أصيل..)
صناعة الأغنية ليست صناعة سهلة أبداً فأنت عندما تقدم أغنية يفترض أن تكون مميزة عن البقية وإلا سوف تكون مقلداً، وعندما تأتي فنانة مثل نانسي أو هيفا..فهؤلاء لن ينجحن معي، هن لديهن إمكانات أخرى غير الطرب، ووراءهم جيش يعملون لأجل إبرازهم.. وعندما يريد كاتب الأغنية أن يلبس لوناً لمطرب هناك مئات من المطربين وزحمة مطربين، والمطلوب منك أن تخلق لكل منهم لوناً خاصاً يليق بهم، ووسط هذا الحشد يجب أن تخلق سكة جديدة لتنافس الجميع وتشد الجمهور إليهم.
أنا اليوم صفوح شغالة إذا أردت أن أكتب وجدانياً ما أشعر به كشاعر لن أجد مطرباً أو مطربة يؤدي لي هذه الأغنية، لأن المطلوب أن أعطي أغنية أولاً مدتها 3 * 4 دقائق وثانياً أن تكون فكرتها مثل هذه الأفكار التي تطرح الآن في الأسواق، وفي حال طرحت فكرة أقوى يقولون :هذا الكلام صعب ولا يغنى، ولذلك نرى قوافي هذه الأغاني هزيلة وعالية وبالية ومعروف عني أنّ قوافيَّ مختلفة وقد أتيت بقواف جديدة مثل أغنية (انسى غرامك) لشادي جميل.
الآن نرى أن الموجودين على الساحة كلهم مبدعون أو لا يوجد أبداً مبدعون سابقاً كان الموجودون كلهم مبدعين مثل عبد الوهاب، عبد الحليم، فريد الأطرش، ومن الملحنين رياض سنباطي، بليغ حمدي، محمد الموجي، كلهم كانوا مبدعين، وهذا ما يشهد عليه أغانيهم، والآن نستطيع أن نقول قد يكون الكل مبدعين أو لا يوجد أبداً مبدعون وفهمكم كفاية.
ہ هل تميل لفكرة الشراكات الفنية، كيف تفهم تأثيرها فيما يقدم للمستمعين؟
ہہ الشراكة الفنية تكون بين شاعر وملحن، وكنت أنا والملحن جورج مار ديروسيان ثنائياً مميزاً عملنا معاً وكنا أخطر ثنائي موجود على الساحة الغنائية.
ولكن الآن أصبحت الشراكة مقسومة بين ثلاثة بين الموزع الموسيقي والملحن والشاعر، وأصبح الآن الموزع الموسيقي أهم من الملحن، ما أ قصده أن الملحن قد تراجع وتقدم الموزع اليوم بسبب التكنولوجيا، اليوم صار التوزيع على الكمبيوتر، والموزع الشاطر من يجيد التعامل مع الكمبيوتر ويتابع التطورات التكنولوجية، وإذا لم يكن يعرف هذه التقنيات يوضع على الرف.
والملحن أيضاً الذي لا يتعامل مع الكمبيوتر أصبح ملحناً قديماً لأن الأصوات لم تعد تأخذ من العود والأورغ، الآن تؤخذ من الـcd التي يوجد فيها مئات الأصوات من الموسيقا.
أصبحنا من الجيل القديم وأصبح هناك جيل جديد وأصبح التوزيع الموسيقي متقدماً جداً على حساب اللحن والكلمة.
ہ ما هو برأيك أسباب تخلف الأغنية السورية هل هو سوء التوزيع أم عدم وجود نص أو عدم وجود صوت، هل هي آلية العمل....؟ ما رأيك؟ وأين أنت في سورية؟
ہہ في سورية لم يرني أ حد للأسف، وأنا أيضاً لم أرَ أحداً، في سورية لدينا مرض كبير اسمه الغرور.. حلم مطربينا أن يبقوا في (العراد) هذا هو منتهى أحلامهم وأملهم. لا يوجد لدينا استوديوهات في سورية، وإن وجدت استوديوهات فهي لا تستطيع أن تنافس استوديوهات الخارج من ناحية المعدات ومن ناحية مهندسي الصوت. لقد تفوقت علينا مصر ولبنان لما لديهم من خبرات منذ عام 1920 ، فكانوا من أول ما ابتدع الاسطوانات ونحن لم نكن نعرف بذلك. الاستوديو الوحيد الذي كان لدينا هو استوديو الإذاعة، وهو قطاع عام. أما في مصر فوجود السينما ووضع الموسيقا التصويرية للأفلام اضطرهم لأن يؤسسوا استوديوهات وتابعوا التطور الذي يحدث في العالم من حيث المعدات وارسلوا مهندسي صوت للخارج من أجل أن يدرسوا ويطوروا أنفسهم.. والمهندسون الذين أتوا خرّجوا من تحت أيديهم آلاف المهندسين، أما في سورية ليس لدينا عراقة في الاستوديوهات، والموجود لدينا عبارة عن محاولات فردية لا تفي بالغرض، وعندما كنت في مصر كنت أرى العديد من المطربين سواء من الخليج أو الكويت أو لبنان، ينزلون كي يسجلوا في مصر وللأسف لم أرَ ذلك في سورية.
بالرغم من أن سورية غنية بالأصوات الجميلة و الأصوات السورية من أروع الأصوات الموجودة في العالم العربي، وتراثها الغنائي غني ومتنوع إذ إن لكل قرية و ناحية تراثها الخاص بها، ولكنني لم أجد في سورية من يهتم بجميع هذا التراث والمحافظة عليه، وأود أن ألفت نظركم إلى أن الملحن بليغ حمدي عندما لحّن أغنية (قدك المياس) أخذها من التراث الحلبي، ولكنه لم يقرب على التراث، هو لعب لعبته جيداً وقد ألهمه ذلك التراث ليعمل هذه الأغنية الجميلة للنجم عبد الحليم حافظ، أغنيتنا السورية تتعثر نحو الهاوية وإذا استمر الوضع هكذا لن يبقى لدينا أغنية سورية، وأنا أشكر الفنان علي الديك لأنه ذكر الوطن العربي من خلال أغنيته (علوش) بأن هناك وطناً اسمه سورية وفيه فنان سوري يغني أغنية سورية، وأنا صدقاً كنت في لبنان عندما سمعت هذه الأغنية وصار كل الفنانين يطلبون أغنية على نمط أغنية علي الديك.